د. سامان سوراني
في 31 من تموز عام 1983، وعلى مرأى من العالم الصامت، ارتكبت السلطات البعثية العراقية آنذاك واحدة من أبشع الجرائم الجماعية بحق الشعب الكوردي، عندما قامت أجهزة الأمن والاستخبارات بنقل أكثر من 8,000 من رجال وشباب البارزانيین إلى المجهول، هؤلاء الضحایا لم يعودوا أبداً.
هذه الجريمة التي سُجّلت لاحقاً كجزء من سلسلة حملات الأنفال التي طالت مئات الآلاف من الکورد، لم تكن مجرد عملية قتل جماعي، بل كانت تطبيقاً ممنهجاً لما يمكن وصفه بـ"فلسفة القتل السياسي"، حيث تُستخدم الإبادة وسيلة لترهيب شعب بأكمله، ومسح هويتە.
النظام السابق لم يكن يتحرك بدافع الغضب أو رد الفعل، بل بنظرية أمنية تقوم على أسس شوفینیة لتصفية كل ما يُعدّ "خطراً ديموغرافياً"، وكان الکورد – الذين طالبوا بحقوقهم القومية المشروعة – في صلب هذا التصور.
إذن لم يكن أنفال البارزانيين في 1983 عملاً ارتجالياً، بل خُطّط له بعناية، ووُثّق بتقارير استخباراتية، ومُرّر عبر قرارات سياسية وقنوات بيروقراطية رسمية.
إنّ الدولة التي تقتل أبناء شعب کوردستان بدم بارد وتُخفيهم في مقابر جماعية، لا تمارس فقط القتل الفيزيائي، بل القتل الرمزي والثقافي والاجتماعي. إنها رسالة مروعة تقول: "وجودكم غير مرغوب فيه، وتاريخكم يجب أن يُمحى".
لكن رغم الألم العميق، رفض الکورد أن يكونوا ضحية صامتة. لقد تحولت ذكرى الأنفال إلى أيقونة مقاومة، ومصدر وعي جمعي. ففي كل عام، تُقام الفعاليات التذكارية، وتُقرأ أسماء الضحايا، وتُعرض الوثائق والشهادات، ليبقى الجرح حياً لا ليؤلم، بل ليمنع التكرار.
المجتمع الكوردستاني، رغم فداحة الفقد، لم ينزلق إلى منطق الانتقام أو الكراهية العمياء، بل اختار درب العدالة والمساءلة، من خلال المحاكم الوطنية والدولية، والمطالبة المستمرة بالاعتراف الدولي بما جرى كجريمة إبادة جماعية.
المؤسف أن التفاعل الرسمي العراقي مع جريمة الأنفال بقي حتی بعد سقوط النظام المستبد في حدوده الرمزية، ولم يُترجم إلى خطوات عملية مثل تعويض عائلات الضحايا، أو إدراج الجريمة في المناهج الدراسية، أو تقديم اعتذار وطني شامل باسم الدولة العراقية. هناك بعض المحاكمات التي جرت بعد 2003، لكنها بقيت محدودة الأثر.
أما على الصعيد الدولي، فالتعاطف اللفظي لم يتحول إلى مسؤولية قانونية أو سياسية. ولم يُدرج ملف الأنفال ضمن قضايا العدالة الانتقالية الدولية كما جرى مع رواندا أو البوسنة، وهو ما يعكس خللاً في النظام الدولي في تعامله مع الضحايا "غير المرئيين".
قد لا يُشفى جرح البارزانيين بالكامل، لأن الفقد لا يعوّض، والقبور الجماعية لا تنطق. لكن الذاكرة الحية، والعمل السياسي الواعي، والاعتراف الصريح بما جرى، يمكن أن تكون جميعها عناصر في طريق التعافي.
لن يندمل الجرح ما دام هناك إنكار، أو صمت، أو تقاعس عن رد الاعتبار للضحايا. لكنه يبدأ بالشفاء حين تتحول الذكرى إلى وعد أخلاقي بعدم التكرار، ودرس إنساني لأجيال لم تعرف الفاجعة إلا من الصور والوثائق.
في ذكرى أنفال البارزانيين، لا نكتب فقط لنُحيي أرواحهم، بل لنُذكّر العالم بأن الصمت على الجريمة شراكة فيها، وأن الذاكرة هي آخر ما يملكه المظلوم في مواجهة القتلة.
وختاماً نعید ماقالە الرئیس مسعود بارزاني في ذكرى أنفال البارزانيين: "نريد أن نؤكد على أن إحياء هذه الذكرى ليس من أجل إستذكار الآلام، بل هو من أجل تسخير كل الإمكانات من اجل اقتلاع جذور الذهنية التي نفذت الأنفال وآمنت بها.
وهو أيضاً من أجل إيقاظ ضمير المجتمع الدولي، في وقت مازلنا نعثر فيه على المقابر الجماعية لعزيزاتنا وأعزائنا في صحارى جنوب العراق، وليشعر العالم بالخجل تجاه شعبنا، وليعرف حجم الظلم الذي لحق بنا وكانوا هم ساكتين تجاهها ولايحركون ساكناً."
عاشت كوردستان و المجد والخلود لشهداء طريق الحرية.