شمال آكريي
في تاريخ شعبنا الكوردي، ثمة أيام لم تكن مجرد منعطفات سياسية عابرة، بل غدت رموزا حية وشاخصة لإرادة أمة تعرضت لشتى أنواع الظلم والاضطهاد. ومن هذه المحطات، يتجلى السادس والعشرون من آيار ١٩٧٦، كمنعطف تاريخي عظيم انطلقت فيه "ثورة (آيار) گوڵان التقدمية"؛ لتكون ردا حاسما وطليعيا في وجه المؤامرات الدولية واتفاقية الجزائر المشؤومة.
وفي هذه الذكرى المجيدة، ننحني إجلالا وإكبارا لركب شهداء حركة التحرر الكوردستانية الطويل، ولا سيّما شهداء ثورة گوڵان البواسل، الذين أنارت دماؤهم الزكية دروب الحرية أمامنا. وفي مقدمة هذا الركب الاستثنائي، نستذكر بخلود واعتزاز مسيرة القائد والرمز القومي، مصطفى بارزاني، الذي ظل نهجه ومدرسته النضالية عصيين على الانحناء والانكسار.
وبهذه المناسبة العظيمة، نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى القيادة السياسية الثورية، وفي مقدمتها مسعود بارزاني، الذي قاد بحكمته وصموده سفينة النضال وسط أمواج المنطقة العاتية وعواصفها، ليرسو بها في بر الأمان. كما نستذكر بكل تقدير الدور التاريخي للشهيد إدريس بارزاني، الذي عُرف بكونه مهندس السلام الداخلي (ئاشتییا ناڤخۆیی)، إذ لعب دورا محوريا في جمع الأطراف والقوى الكوردستانية تحت مظلة الجبهة الكوردستانية، وعمل بحكمة ومسؤولية على ترسيخ روح التفاهم والوحدة الوطنية في أصعب المراحل وأكثرها تعقيدا. كما نبعث بتحايا الوفاء والامتنان لقوات الپێشمهرگة الأبطال وللمقاومة الشعبية الصامدة، الذين غدوا في أحلك المراحل دروعا منيعة تتكسر عليها مؤامرات الأعداء وهجماتهم.
لم تكن ثورة گوڵان مجرد حركة مسلحة فحسب، بل كانت ملحمة صمود لشعب ظن الأعداء وأذيالهم أنهم قادرون، عبر المؤامرات وحملات القصف الكيمياوي وعمليات الأنفال السوداء والقتل والاعتقال، على وأد القضية الكوردية العادلة. لكن إرادة شعبنا الفولاذية خرجت من أتون الأنفال والسلاح الكيمياوي أكثر صلابة وقوة، وأثبتت ملاحم الپێشمهرگة البطولية في ثورة گوڵان أن أسلحة الدمار الشامل لن تفلح أبدا في إسكات صوت الحق.
إن هذا النضال وتلك التضحيات الجسام لم تذهب سدى؛ إذ إن واقعنا الراهن هو نتاج ذلك الصمود والكفاح الدؤوب الذي خاضه الپێشمهرگة في ثورات شعبنا، والتي مثلت ثورة گوڵان أبرز محطاتها؛ حيث مهدت الطريق لانفجار بركان الغضب الشعبي في الانتفاضة الآذارية العظيمة عام ١٩٩١. تلك الانتفاضة التي حطمت قيود الاستبداد ودشنت مرحلة جديدة في تاريخنا، تمثلت ثمرتها الأبرز في بناء المؤسسات الشرعية وتحقيق المكتسبات التاريخية، كأنساق برلمان وحكومة إقليم كوردستان.
وعلى مدار السنوات الماضية، ورغم كل التحديات والمؤامرات المستمرة، تمكن إقليم كوردستان، بهمة شعبه وإخلاص قيادته، من ترسيخ مكانته ككيان مزدهر، آمن، ومتعدد المكونات. واليوم، نجحت كوردستان في أن تصبح مركزا حضاريا، عمرانيا، وديمقراطيا على مستوى الشرق الأوسط، وملاذا للتعايش السلمي بين جميع المكونات والأديان. إن واجبنا اليوم يتجلى في الحفاظ على هذه المكتسبات، والمضي قدما على النهج المقدس لثورة گوڵان، من أجل بناء مستقبل أكثر إشراقا للأجيال القادمة.